الحياة مليئة بالأسرار التى لا نكف عن التفكير بها والعبث بمبهماتها
لكنها لن تعطينا إلا ما أرادته لنا ... هكذا علمتنى الحيــــــــــاة ..!
كنت ُ شابا ً صغيرا ً فى ريعان شبابى حينما فقدت الشئ الأغلى من الحياه نفسها
الشئ الذى جذبنى لفهم الحياة أكثر وأكثر بل وكان يقودنى للمغامرة أيضا ً من اجل تحقيق ما أريد
ولكننى لم أعلم بوجود هذا الشئ الثمين فى حياتى قط إلا فى اللحظة التى فقدته فيها إلى الأبد
ومن هنا تبدأ قصتى ومعاناتى مع الحياه بكل اسرار أيامها الرتيبة المملة
مع رجل تجاوز الواحد والعشرين عاماً ولكنه مازال يشتم رائحة العطر الذى كانت تتعطر به فتاته
فقد كنت ُ فى التاسعة عشر من عمرى حين ذاك ولكننى لم أشعر قط بمرور أكثر من سنتين على هذا الحب الذى خلدته الايام
فإنه ليس حباُ بين شاب وفتاه طائيشين يسلب كل منهما الأخر لمشاعره وذكرياته وأحلامه أحياناً
بل هو حباً حقيقيا ً لامعا ً مازال يبرق حتى الأن بكل ما تحمله الحقيقة من معانى الحب السامية
فلقد كانت نورا ً وكان امل هو إسمها الذى طالما تذوقته أثناء مناداتى لها
تلك الفتاة التى حملت من ملامح البراءة ما لم يحمله الأطفال فى مهدهم وغزلت برقتها جمالا ً
يخفى عن الناظرين إليها لكنه لا يخفى أبدا ً عمن يحملق داخل قلبها
إنها أسطورة حب خالدة ......................!
فقد تربت معى منذ الصغر وعلمتنى الحكمة وأنا كبيرا ً
في يوم من الايام إنتقلت للعيش فى مكان أخر وأفترقت عن اجمل ذكريات طفولتى وشبابى مع امل
ولكن حبى لامل لم يبدأ هكذا منذ البداية أو ربما كان موجودا ً لكنى لم أشعر به منذ البداية
فقد أحببتها بعد ما فات أوان الحب وحبى لها بدأ يكبر بالبعد والفراق يوما ً بعد يوم
ولكنه ليس فراق حبيبين إنــــــــــــه الفراق الأبدى الذى فصل بينى وبينها حتى النهاية
فقد بدأت أشعر بحبى لها يوم مماتــــــــــــــــــها
نعم .. فقد ماتت بين هاذان الذراعان اللذان طالما أرادا أن يعانقاها
فكان هذا أول عناق بيننا ......... ولكن كيف حدث هذا ...؟
كان يوم مماتها يوماً غريباً بكل المقاييس فقد كانت الأمطار تغمر الطرقات كلها
وكان البرد يغلف الشوارع بإبتهالاته ولم يتوقف الرعد لحظة واحدة عن إطلاق صوته
لذلك فلم أستطيع الخروج من بيتى فى هذا اليوم المبهم المغلف بالغيوم وفضلت المكوث فى البيت
بجانب المدفئة وإستطلاع الكتاب المفضل لدى وظللت أقرأ فى هذا الكتاب حتى مرت على ساعات لم أعرف عددها
ولكن وقت الفجر كان قد أقترب وفجأة قطع حبل أفكارى رنين الهاتف
فهلعت لأرد عليه فقد قاربت الساعة على الخامسة ولست متعوداً على إستلام مكالمات فى هذا الوقت من اليوم
وفجأة وجدت رقم المتصل هو رقم منزل امل فرفعت السماعة مسرعاً
ورددت : ـ آلو .. آلو .. امل .. هل تسمعيننى ..؟
لكنها لم تتفوه بكلمة واحدة فلم أسمع منها سوى صوت نحيب وبكاء يعلو عن صوت الرعد فى الخارج
فرردت : ـ ماذا حدث ..؟ يجب أن تردى عليا ... امل امل
ولكنها أغلقت الخط ولم أسمع بعدها سوى صوت ينبهنى بأن المكالمة قد أنتهت
وكانت هذه المرة الأخيرة التى أسمع فيها صوت امل
لكننى لم أستطع أن أفعل شيئا ً بعد هذه المكالمة فقد هجرنى النوم وظللت أعاود الأتصال بها مرارا ً وتكراراً
لكن لا احد يجيب على الهاتف وهنا سيطرت على نفسى مشاعر خوف رهيبة لم أعهدها من قبل
فهلعت أرتدى ملابسى بكل ما لدى من سرعة بل إننى نسيت الامطار والبرد فى الخارج
بل ونسيت أيضا ً معطفى وركضت فى الشارع مسرعا ً لا أشعر حتى بسيول الأمطار وهى تنهمر على جبينى
وظللت أركض حتى وصلت إلى منزلهم فقد كان على بعد شارعين من منزلى وحينها طرقت الباب بطريقة جنونية
فإستيقظت والدة امل وهلعت لتفتح الباب وعندما وجدتنى بتلك الحالة التى يرثى لها والامطار تغمرنى وملامح الخوف تنطبق على وجهى
أعتقدت إننى أصيبت بمكروه فرددت والدتها بصوت يغلب عليه القلق ..: ـ
أخبرنى ماذا حدث لك ............؟
فلم أستطع الأدلاء بأى كلمة بل دفعت الباب بكل قوتى حتى إننى نسيت أن أطرق باب حجرة امل بل إندفعت داخلا ً حجرتها بدون مقدمات
ولكننى لم أجدها وكان فراشها مازال مرتباً كأنها لم تنم فيه بعد وكان على مكتبها بعض الاوراق تتطاير من نسيم النافذة المفتوحة
فهلعت إلى النافذة وكنت متأكدا ً إننى سأجدها فيها فطالما أحبت الاستمتاع بمنظر البرق وسيول الامطار من تلك النافذة
ولكننى لم أجدها تنظر من النافذة بل وجدتها تجلس فى ركن صغير من النافذة فى وضع القرفساء
تحتضن قدميها بيديها الرقيقتين لتحمى نفسها من البرد وتضع رأسها فوق قدميها مغمضة العينين
فقمت بهزها برفق وناديتها ..امل امل ولكنها لم تجب
بل سقطت بين ذراعى مفارقة الحياة تماما ً لم أستطع أن انسى هذا اليوم بتفاصيله المرعبة رغم مرور أكثر من سنتين عليه
لم تستطيع والدتها احتمال الصدمة وسقطت مغشيا ً عليها
أما أنا فمازلت متحيرا ً لم أعرف بعد ما هو سر مكالمة امل الغامضة لى قبيل موتها ............؟
الحزيـــــــــــن