وتأتي وقفة عيد الفطر بعد طول أنتظار وأمل ...ونسمع مدافع وقفة العيد وتقول أمي :
يي ثبتوها ...يا أولادي كل سنة وأنتو سالمين ...(روحوا بوسوا إيدين ابوكن ) ونركض نقبل ايادي أبينا وأمنا
نقبل اليد ونضعها على راسنا ونعايد عليهما ونبدأ بترديد أغنيتنا المعهودة :
( شعل الضو أنطفا الضو قال المدفع بو بو بو ) ..... وننشد :
بكره العيد ومنعيد
ومندبح بقرة السيد
والسيد مالو بقرا
مندبح بقرة الشقرا
وبيت العم مابيريدوا
مندبح بقرة بيت سيدو
وبيت سيدو مابيريدوا
مندبح بقرة بيت عيدو...
ثم نصعد إلى النوم المبكر نغرق في أحلامنا .ويطول الليل ...
والحذاء الجديد والثوب الجديد والشريطة الجديدة على مخدة كل طفل تنتظر الصباح وإطلالة العيد بنوم قلق متقطع , نحلم بالعيدية من الأهل والأقارب , والحرية والألعاب المغرية والمآكل الطيبة ,وعندما نعود مع أمي وأبي من زيارة الأموات في البرية بعد تأدية واجب شكل أغصان الآس والورد على شواهد قبورهم , نقف في شارع النصر مع الناس وقرب ( تم سوق الحميدية ) لنتفرج على السلاملك .
وعند العودة إلى البيت تدخل أمنا العزيزة إلى المطبخ لتطبخ لنا الفخدة والرز والملوخية أكلة اليوم الأول التقليدية في بيتنا , ويبدأ أبي في أستقبال الرجال من المعايدين :
أهلا وسهلا ...كل عام وأنتم بخير ...
أحياكم الله لأمثاله ...
كل سنة وأنتم سالمين ...
إن شاء الله العيد الجاية بعرفات .
وتوزع القهوة على الضيوف , وتنقر أمي باب المطبخ وأبي (يسناول ) منها صينية فناجين القهوة (لأنها مابتطلع قدام الرجال الغرب ) ثم ينقر عليها باب المطبخ من الداخل ...ويتناول منها صينية فيها صحون الغريبة والبرازق
والمعمول بالجوز والفستق والكرابيج والناطف والسكاكر والسيجارات .
ويذهب أبي ليرد المعايدات وتأخذ أمي كروت المعايدة من الضيوف الرجال من ورا الباب .ونحن الأطفال نطير في عالم مسحور لاأحد يسالنا إلى أين ؟؟ ولا أحد يرافقنا للمراقبة !!
نفتح الباب نخرج بلا اذن نركب عربة الأحلام الوردية ( الكراجة ) التي يقودها إنسان أو حمار لافرق .
عربة العتال في الأصل وقد زينت في العيد بالأوراق الملونة , وصار لها مقعدان يصطف عليهما الأطفال ويتمسكون بخشباتها , وتقفز بنا طائرة ( روحة رجعة ) حتى السبع بحرات بس في شارع بغداد , ثم تعود إلى سوق ساروجة والأغنية التي تلازمنا وتلازم العربة في كل عيد أغنية ( ياولاد محارب جوجو) ...هي النغمة المحببة لنا في كل رحلة نقوم بها مقابل قرش .
صاحب الكراجة يقول ونحن نردد وراءه :
( ياولاد محارب جوجو....شدوا القوالب جوجو ...قوالب صيني جوجو ...شكل الفليني جوجو..علي مامات جوجو
خلف بنات جوجو..بناتو بيض جوجو ...شكل العفاريت جوجو ..بناتو سود جوجو ...شكل القرود جوجو...يولاد محارب جوجو ...ياولاد محارب جوجو ...
أغنية كأغنية الشيطان نرددها كالببغاء وراء الرجل ليس لها من معنى إلا أنها أغنية العيد في دمشق . ومن لايركب العرباية ولم يغني ياولاد محارب فهو طفل لم يعيد حتما .
( قويها منجدد ...قويها منجدد ) ويسرع الرجل ....ونجدد ولاننزل من العربة إلا بصعوبة بالغة .
وننزل من العربة لنركب المراجيح ونشتري اللعب من الدكاكين التي أستطالت حتى تجاوزت الأرصفة ونأكل على الكراسي القش ( الواطية ) الفول النابت مع الملح والكمون , ونشرب مرقة الفول مع الحامض ...ونأكل المخلل والشرك وليلة الله والملبن و ( الملوأ ) وكنت أفضله على فلفل وكانت له عدة أنواع على عسل وعلى ليمون وعلى قرفة . ونذهب إلى الحريقة فنركب الجمال وندخل إلى الخيام المنصوبة لنتفرج على ( الضبع )
وعلى أم راس مقطوع وهي تتكلم !!وعلى إيدين ورجلين !!.
في شارع النصر وسط دمشق وتحت الأشجار الكثيفة المترامية الأغصان كان يقف الباعة المتجولون ببسطاتهم
المختلفة الأنواع ...باعة فلافل وشرابات من تمر هندي وعرقسوس وليمون إلى باعة الألعاب والحلويات والأولاد
يملؤون الأرصفة ...حيث لامجال للعودة لتناول الطعام في المنزل فهنا كانت الفسحة بين حضور فيلم مملكة تحت
البحار... وزورو أو هدفنا بورما لخطف ( عروسة ) فلافل أو عروسة بيض مسلوق أو راس غنم ولسانات وكله
لذيذ وطيب ويفي بالغرض طالما كنا خارج المنزل ولانعود إليه إلا بحلول الظلام
وتمر أيام عيد الفطر الثلاثة ...ونأبى أن نفارق العيد ولابد أن نودعه في اليوم الرابع في ( جحش ) العيد والدموع تكاد تفضحنا أسفا على هذا ( العيد الصغير ) .
ازا حبيتو الموضوع ..فـــ يتبع..؟